أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
190
عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ
ليتولّوه . وإذا أمروا بذلك دفعة واحدة تحاشوا عنه فلم يفعلوه ، فهم يقترحون الكثير ولا يفون منه بالقليل . قوله : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ « 1 » إنّما خصّ لفظ الإنزال دون التّنزيل لما روي أنّ القرآن نزل دفعة واحدة إلى سماء الدنيا ، ثم نزل نجما نجما . قوله : لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ « 2 » ولم يقل : نزّلنا ، منبّها أنّا لو خوّلناه مرّة واحدة ما خوّلناك مرارا لرأيته خاشعا متصدّعا . قوله : قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَسُولًا « 3 » قيل ؛ أراد بإنزال الذكر هنا بعثة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، كما سمّي عيسى عليه السّلام « كلمة » « 3 » . فعلى هذا يكون قوله : رَسُولًا بدلا من قوله : ذِكْراً . وقيل : أراد إنزال ذكره ، فيكون رسولا مفعولا لقوله : ذِكْراً أي ذكرا رسولا . قلت : ويجوز أن يكون « ذكرا » مفعولا له « 4 » ، ورسولا مفعول الإنزال . فإن قيل : قد اختلف الفاعل ؛ فإنّ فاعل الإنزال غير فاعل الذّكر ، فالجواب : إنا وإن سلّمنا اشتراط ذلك فالفاعل متّحد ، لأنّ الذّكر بمعنى التذكّر ، أي أنزل الرسول ليذكّركم به . وهو معنى حسن طائل . قال « 5 » : وأمّا التنزّل فكالنّزول به ؛ يقال : نزل الملك بكذا ، وتنزّل . ولا يقال : نزل اللّه بكذا ، ولا تنزّل ؛ قال تعالى : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ « 6 » وقال تعالى : تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها « 7 » ولا يقال في المفترى والكذب ، وما كان من الشياطين إلا التنزّل ؛ قال تعالى : وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ « 8 » قوله : وما كان من الشّياطين ثم تلا قوله تعالى : وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ ليس مطابقا لذلك ، لأنّ « ما » نافية ، أي أنّ الشياطين لم تنزّل به ، أي بالقرآن . قوله تعالى : هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ « 9 » النّزل : ما يعدّ للنازل من الضّيافة ؛ أنزلته :
--> ( 1 ) 1 / القدر : 97 . ( 2 ) 21 و 22 / الحشر : 59 . ( 3 ) راجع الآية : 45 / آل عمران 31 . ( 4 ) ساقطة من س . ( 5 ) يعني الراغب . ( 6 ) 193 / الشعراء : 26 . ( 7 ) 4 / القدر : 97 . ( 8 ) 210 / الشعراء : 26 . ( 9 ) 56 / الواقعة : 56 .